الجمعة، 5 أبريل 2019

أخطط لتحويل حجرتي لفكرة

أخطط لتحويل حجرتي لفكرة - أشرف الجمال 

 
 

أودِّعُ قصائدي على الجِسْرِ
وهُم يحملونها في النعوش إلى المدافن
لا أحزنُ
هكذا حالُ الدُنيا
لكنني أتذكر كَمْ مِيلًا قَطَعَتْهُ في روحي قبل أن تَصِلَ إلى هنا
كَم هَجْرًا بين السماء والأرض عانيتُ وأنا أُربّي دخانها في رئتي
كَم امرأةً من صلصالٍ شكَّلتُها وحطَّمتُها باكيًا – آخر الليل –
وأنا أتلو نهديها المضيئين كسفينيتن غارقتين على مسامعها
تارةً كَدُبٍّ أعمى يسرق الأشجار من حدائق طفولتي
وتارةً كأرنب يتوارى في جُحْرٍ عميقٍ شيّدتُه في نحيبِ رَبابةٍ
أخبّيءُ فيه مخاوفي وشكوكي / كراهيتي للموت أوهامي التي تَنِقُّ كالضفادع
في قُعرِ ساقيةٍ صَدِئةٍ بروحي
لا أثق في مواجهة الحزن الضرير إثر مرور ظِلِّ حبيبتي بين سطورها
لكنني أحاول أن أفكر في الليالي الممطرة وأنا واقفٌ عاريا على رصيف قلبها
في الطفل الذي يخرج من البحر يُقبّلُ عينيّ ثم يختفي
أفكر فيما وراء جسدي من مُدنٍ مُمِلَّحةٍ تهرب في البخور والصنوبر
أخطط لتحويل حجرتي لفكرة , وعظامي لكروانٍ يصيحُ خلف الضباب
أمنحُ مشربيةً بعيدةً وثيقةَ يُتمٍ لتكونَ صورةً طِبْقَ الأصلِ
من جارتي التي يضربها زوجها كل ليلة
تلك التي لا يكفُّ حُزن وجنتيها عن النحيب في زهور نافذتي
ولا تكفُّ سُرّتُها النُحاسيةُ عن غوايةِ شمعدانتي الباهتة بحكاياتها القديمة
كم مرةٍ طَرَقَتْ بيتي ليلاً
وكم مرةٍ وَجَدَتْ الجثةَ معلقةً إلى السقف
تتأرجح يميناً ويسارا
هذا الصغيرُ الذي تحمله في بطنها
لا يشبهني
إنه ليس ولدي / لكنها ستنسبه إليّ بعد رحيلي
الموتى لا ينتفضون من كتب التاريخ مهما كان الغبار كثيفًا وخانقًا
لا يقفزون من بطون المخطوطات المُزيّفةِ ليدافعوا عن أنفسهم
لا يمكنهم أن يحتجُّوا على وجود مُنافقٍ يتظاهر بالحزن أمام قبورهم
لكنهم أصدقاءُ الليلِ / يطوفون بقواربهم الشراعيةِ عَبْرَ الماء
ليصلوا إلى أحلامنا المنسية
يمكنهم أن يفجِّرُوا مؤتمرا شعريا بقنبلة يدوية
بعد إخراج جميع الأطفال من القاعة
هكذا تكون الحياة فكرة مهادنة .. مُجرّدَ شيءٍ كَكُلِّ الأشياء
يمكن أن تخسره وتعوّضه / يمكن أن تعيش بدونه
ليس هناك أشدُّ حماقةً من أن تحلم بأشياء يمكن امتلاكها
أن تراودَ شجرةً عن ظِلِّكَ العابر
أن تبحث عن خريطةٍ لرُوحِكَ في قُبلةِ مُومسٍ
تلك ساعةٌ مناسبةٌ لنسيان ما مَضَى
القطارات التي تحمل مسراتنا
مضيئة في الليل
وأكثر شجنا من وجنة أرملة تتأمل صغارها
المدينة صامتة
وشفيفة تحت الندى
أشد براءة من هؤلاء الصغار أنفسهم
ومن أقمارها البكماء
ومع هذا ، وبحيادية ممضة
أدرك أن قططها الشريدة
تتعارك في شوارعها المظلمة
بعضها يفر ، وفي أفواهها الصغيرة
نسائر دامية من ذكرياتي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تحميل دواوين وكتب الشاعر أشرف الجمال

تحميل ديوان حانة المجذوب- الشاعر أشرف الجمال.pdf https://www.gulf-up.com/ugihsfs0tamo .. .. تحميل ديوان تحت قمر ملغوم .. ال...